672686438 122166577610698495 1475891355345841511 n

فى لحظةٍ بعيدةٍ لا نعرف متى بدأت، يتسلل الألم إلينا دون استئذان، لا كحادثٍ عابر، بل كإقامةٍ دائمة داخل الروح يكبر معنا، يتشكل فى ملامحنا، يختبئ فى نبرة صوتنا، ويترك على أجسادنا علاماتٍ لا تُرى بالعين بقدر ما تُحس بالقلب فهناك، فى تلك المسافة الخفية بين ما عشناه وما لم ننجُ منه، يكتب وحيد الطويلة روايته سنوات النمش، كأنها محاولة أخيرة لفهم هذا الأثر الباقى أو ربما للاعتراف به.

في هذا العمل الصادر عن المحرر للنشر والتوزيع، لا يقدّم الطويلة حكاية تُروى بقدر ما يكشف طبقاتٍ من وجعٍ إنساني متراكم، ينساب بهدوءٍ قاسٍ داخل النفس، حتى يبدو وكأنه جزءٌ أصيل منها ليست الرواية هنا بحثًا عن حدث، بل عن أثر، عن تلك البقايا التي لا تغادرنا مهما حاولنا النجاة.

منذ البداية، ندرك أننا أمام نص لا يمنح قارءه رفاهية المسافة فاللغة مشغولة بعناية، لكنها ليست متكلفة؛ لغة تنبض، ترتجف، وتهمس أكثر مما تصرخ. يكتب الطويلة بوعىٍ جمالى عالٍ، يجعل كل جملة تبدو وكأنها خرجت من قلب التجربة نفسها، لا من خارجها. وهذا ما يمنح الرواية صدقها النادر؛ فهى لا تُحكى، بل تُعاش.

«النمش» هنا ليس تفصيلًا عابرًا، بل مفتاحًا دلاليًا عميقًا، هو أثر الزمن حين يمرّ على الجسد لكنه أيضًا أثر ما لم يلتئم ويتحول النمش إلى استعارة كبرى لذاكرةٍ لا تُمحى، لندوبٍ صغيرة لكنها متكررة، حتى تصير ملامح كاملة. كأن الجسد نفسه يتحول إلى دفترٍ مفتوح، تُكتب عليه الحكاية دون إذنٍ من صاحبها.

الشخصيات فى «سنوات النمش» ليست بطولاتٍ مكتملة، بل كائنات هشّة، مترددة، متورطة فى إنسانيتها لا أحد نقى تمامًا، ولا أحد شرير بالمعنى البسيط. الجميع يتحركون داخل منطقة رمادية كثيفة، حيث تختلط الرغبة بالخوف، والحب بالأذى، والحنين بالخذلان. وهذه المنطقة تحديدًا هى ما يمنح الرواية عمقها إذ لا تُصدر أحكامًا، بل تفتح باب الفهم.

يختار الطويلة أن يبتعد عن الخطية التقليدية للسرد، فيبنى نصًا أقرب إلى التدفق الشعورى، الزمن هنا ليس مستقيمًا، بل متكسر، يعود إلى الخلف، يقفز ويعود كما تفعل الذاكرة تمامًا. وكأن الرواية ترفض أن تكون مرتبة، لأن الألم نفسه لا يُروى بترتيب. هذا التفكك ليس ضعفًا بل اختيار واعٍ يمنح النص صدقه الإنسانى العميق.

 

لقراءة المقال كاملًا من خلال هذا الرابط 👇
المصدر: جريدة المصري اليوم

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *